حيدر حب الله
384
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
مدلول هذه الروايات ، وهي : الاحتمال الأوّل : أن تفيد إسقاط شروط حجيّة الخبر في باب السنن ، وأنّ كلّ ما اعتُبر في حجيّة الخبر من الوثاقة أو العدالة أو . . ليس معتبراً في الأخبار الدالّة على السنن ، فالخبر الضعيف فيها حجّة ، وبهذا يثبت الاستحباب أو الكراهيّة فيما يؤدّي إليه هذا الخبر ، تماماً كما لو قام خبر ثقة معتبر على استحباب شيءٍ . وهذا هو المؤدّى الأعلى لقاعدة التسامح ، وهو المناسب - كما ذكره غير واحد - لتعبير التسامح في أدلّة السنن « 1 » ، فنحن هنا نتسامح في الدليل ، ونسقط منه شرط العدالة والاتصال والوثاقة وغير ذلك . ووفقاً لهذا الاحتمال ، يُفترض - أوّليّاً « 2 » - كون النتيجة هنا أصوليّةً ؛ لأنّها من شؤون باب الحجج وشروط الحجيّة ، وعلى هذا الأساس يمكن للفقيه القائل بقاعدة التسامح أن يفتي باستحباب فعلٍ قامت عليه رواية ضعيفة استحباباً بالعنوان الأوّلي . وهذا الاحتمال المنتج لاستحبابٍ نفسي أوّلي قد تمّت صياغته بطريقة أخرى في بعض الكلمات ، وذلك دون توسّط مفهوم الحجيّة ، بالقول بأنّ أخبار من بلغ هي بنفسها تؤسّس استحباباً أوّليّاً ، فهي تقول : إنّ ما بلغك عليه ثواب أنا أخبرك بأنّه مستحبّ واقعاً ، فهي تفيد الاستحباب النفسي ولها نظر لكلّ الأخبار الضعيفة . فهنا لا تريد أخبار من بلغ تصحيح الخبر الضعيف ، بل تريد الإخبار عن استحباب ما أفاد الخبرُ الضعيف استحبابَه ، فهي بنفسها تُثبت الاستحبابَ ، لا أنها تُثبت الصحّة الصدوريّة للخبر الضعيف ، لكي يُثبت هو بدوره الاستحباب .
--> ( 1 ) انظر : الصدر ، بحوث في علم الأصول 5 : 122 ؛ ومباحث الأصول ق 2 ، ج 3 : 499 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 319 ؛ والنائيني ، فوائد الأصول 3 : 413 . ( 2 ) إنّما قلنا : أوّليّاً ؛ لما سيأتي من تعميق هذا البحث ، وأنّه لا تعطي القاعدة ذلك إلا على أحد الوجوه في فهم أخبار من بلغ ، وهو الوجه الكنائي ، كما سنشرحه لاحقاً بعون الله .